سيد محمد طنطاوي
322
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الكتاب ، إذا جعل له رقما ، أي : علامة يعرف بها . أي : وهو - أي : كتاب الفجار - كتاب بين الكتابة ، يفهم صاحبه ما فيه فهما واضحا لا خفاء معه ولا التباس . فقوله : * ( كِتابٌ مَرْقُومٌ ) * بيان وتفسير لكتاب الفجار ، وهو ديوان الشر الجامع لأعمالهم السيئة . ومنهم من جعل قوله - تعالى - : * ( كِتابٌ مَرْقُومٌ ) * ليس تفسيرا لكتاب الفجار ، وإنما هو تفسير لقوله * ( سِجِّينٌ ) * . قال الشوكاني ما ملخصه : وسجين هو ما فسره به - سبحانه - من قوله * ( وما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ . كِتابٌ مَرْقُومٌ ) * فأخبر بهذا أنه كتاب مرقوم ، أي : مسطور . ومنهم من جعله بيانا وتفسيرا لكتاب المذكور في قوله * ( إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ ) * على تقدير : هو كتاب مرقوم ، أي : قد بينت حروفه . والأولى ما ذكرناه أولا ، ويكون المعنى : إن كتاب الفجار الذين من جملتهم المطففون . . لفي ذلك الكتاب المدون للقبائح ، المختص بالشر ، وهو سجين ، ثم ذكر ما يدل على تهويله ، فقال : * ( وما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ ) * ثم بينه بقوله : * ( كِتابٌ مَرْقُومٌ ) * « 1 » . وعلى أية حال ، فالمقصود بيان المصير السيئ الذي ينتظر هؤلاء الفجار ، حيث سجلت عليهم أعمالهم في ديوان الشر الذي يجمع أعمالهم القبيحة ، والتي ستؤدى بهم إلى السجن الدائم ، وإلى العذاب المقيم . وقوله - سبحانه - : * ( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) * وعيد وتهديد لأولئك المنكرين للبعث ، والذين من صفاتهم تطفيف الكيل والميزان . أي : هلاك عظيم ، وعذاب أليم ، وسجن دائم في قاع جهنم ، لأولئك المكذبين ، للبعث والحساب والجزاء . ثم فصل - سبحانه - هذا التكذيب فقال : * ( الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ) * أي : يكذبون بيوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب . * ( وما يُكَذِّبُ بِه ) * أي : بيوم الدين * ( إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ) * أي : وما يكذب بهذا اليوم إلا كل إنسان متجاوز الحدود المشروعة ، ومبالغ في ارتكاب الآثام والقبائح . هذا المكذب بيوم القيامة من صفاته - أيضا - أنه * ( إِذا تُتْلى عَلَيْه آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ ) * .
--> ( 1 ) راجع تفسير فتح القدير ج 5 ص 399 للشوكاني .